لو كان في كُمَيْت ماء لحاربنا الباشا!!
عبدالرحمن بن محمد زيد العرفج
كميت جبل يقع شمال بلدة مرات اشتهرت به واشتهر بها حتى قيل المثل المعروف (اضمن لي كميت أضمن لك مرات)، يقول الشيخ عبدالله بن خميس في معجم اليمامة: (كُمَيْت: بضم الكاف وفتح الميم وإسكان الياء فتاء.. من الكتمة وهو اللون بين الحمرة والسواد.. وهذا جبل يُشرف على بلدة (مراة) من الناحية الشمالية يحمل هذه الصفة) أهـ.
ومرات إحدى بلدات إقليم الوشم، تبعد عن مدينة الرياض حوالي (160) كيلاً، قال عنها الشيخ عبدالله بن خميس في معجم اليمامة (هي بلاد بني امرئ القيس بن تميم، وحولها من الإعلام جبل كميت) أهـ.
وخلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجري تأمر على بلدة مرات عدد من الأشخاص منهم راشد بن إبراهيم العنقري سنة 1084هـ، وعبيكة بن جار الله العنقري سنة 1093هـ، وإبراهيم بن جا الله العنقري سنة 1115هـ، ومانع بن ذباح العنقري سنة 1121هـ، وفي هذه السنة عاد إبراهيم بن جار الله العنقري وتولى رئاسة البلدة.
وإبّان بداية دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - كان لبلدة مرات وكافة بلدان إقليم الوشم موقف سلبي تجاه هذه الدعوة؛ حيث شاركت بلدة مرات في العديد من الحروب ضد الدولة السعودية الأولى، منها ما ذكره الشيخ عثمان بن بشر في تاريخه ضمن حوادث سنة 1175هـ بقوله: (وفيها سار (يقصد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود) إلى الوشم؛ فصبح أهل بلد مرات فأعد لهم كميناً فلما أصبحوا غاروا عليها؛ فخرج أهل البلد وظهر الكمين فولوا منهزمين؛ فقتل من أهل البلد قريب عشرين رجلاً) أهـ، وقد استمرت بلدة مرات على هذا الحال حتى فتح الله عليها ودخلت في السمع والطاعة مع عموم بلدان إقليم الوشم وكان ذلك سنة 1181هـ، يقول الشيخ عثمان بن بشر ضمن حوادث هذه السنة: (وفيها بايع أهل أشيقر ومن تبعهم من أهل الوشم عبدالعزيز بن محمد بن سعود على دين الله ورسوله والسمع والطاعة) أهـ، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت بلدة مرات ومنطقة الوشم كافة تحت مظلة الدولة السعودية وكان لذلك ميزة تميز بها إقليم الوشم حيث لم يعقب ذلك ردة أو نكسة بل ظلت مرات وكافة بلدان إقليم الوشم في صمود وثبات على الدين وعلى السمع والطاعة لولاة الأمر، ولما غزت جيوش إبراهيم باشا بلدان نجد سنة 1233هـ كان لأهل الوشم كافة وبلدة مرات خاصة صولات وجولات في الدفاع عن وطنهم وولائهم لولاة أمرهم، فبعد سقوط شقراء في أيدي الغزاة حاول أهل بلدة مرات الصمود والمقاومة وقرروا أن يتخذوا من جبل كميت قاعدة للانطلاق في وجه الغزاة إلا أنهم أيقنوا في النهاية أنه لا جدوى من ذلك لعدم توافر عناصر البقاء في الجبل وأهمها الماء حيث قال قائلهم: (لو كان في كميت ماء لحاربنا الباشا)، وقد ذهبت هذه العبارة مثلاً، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل كان لأهل مرات مواقف تشهد بصدق جهادهم وولائهم لدولتهم فعندما اتجهت جيوش الغزاة إلى بلدة ضرماء هب أهالي بلدة مرات والوشم كافة للدفاع عنها، وقد قتل في معركة ضرماء من أبناء بلدة مرات البطل الشهيد بإذن الله محمد بن حمد المغيري الطائي - رحمه الله -، كما كان لأهل الوشم عامة نصيب في الدفاع عن عاصمة دولتهم الدرعية؛ ففي ترتيبات الإمام عبدالله بن سعود - رحمه الله - للدفاع عنها جعل إلى جانب أخيه فيصل عمه عبدالله بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود ومعه عدة رجال من أهل الدرعية وأهل النواحي من أهل الوشم وغيرهم، وقد قتل كثير من أهل الوشم في معركة غبيراء إحدى معارك الدفاع عن الدرعية، كما فصل ذلك المؤرخ عثمان بن بشر في (عنوان المجد)، وكان من عادة إبراهيم باشا أن يقوم بتحطيم البلاد التي قاومته نكالاً، ومنها بلدة مرات، يقول الكابتن ج. فورستر سادلير في مذكراته التي سجلها عام 1818م: (وفي التاسعة والنصف صباحاً وصلنا سرمدة (ثرمداء) التي محيت آثارها ودمرت من قبل الباشا.... ويوجد إلى جوارها حطام قرية أخرى تدعى مرية (مرات)) اهـ.
وقد تعاقب على بلدة مرات في تلك الحقبة من الزمن عدد من القضاة، منهم الشيخ حمد بن إبراهيم بن حمد آل مشرف، قال عنه عثمان بن بشر في (عنوان المجد) ضمن حوادث سنة 1194هـ: (وفيها توفي الشيخ حمد بن إبراهيم بن حمد بن عبدالله بن عبدالوهاب بن عبدالله قاضي مرات، قرأ على الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتزوج ابنته وسكن الدرعية وولدت منه القاضي عبدالعزيز بن حمد) اهـ، وابنه الشيخ إبراهيم بن حمد بن إبراهيم كان الإمام محمد بن الوهاب - رحمه الله - جده لأمه، ولاه الإمام سعود بن عبدالعزيز قضاء مرات خلفاً لأبيه، وقد قتل - رحمه الله - في معركة الماوية بين الجيش السعودي بقيادة الإمام عبدالله بن سعود وجيش إبراهيم باشا سنة 1232هـ، ومن قضاتها أيضاً الشيخ أحمد بن علي بن أحمد بن دعيج الكثيري نسباً المرائي بلداً صاحب الأرجوزة التاريخية المشهورة، تخرج على يديه الكثير من طلاب العلم، تولى قضاء بلدة مرات بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، ولما رجع حكم آل سعود بإمامة تركي بن عبدالله ثم فيصل بن تركي أبقياه على عمله في القضاء حتى توفي سنة 1268هـ.
وبلدة مرات الآن مدينة عامرة ومتطورة وتشهد نهضة عمرانية كبيرة، بها الكثير من المرافق الحكومية والخدمية والمؤسسات التعليمية، ويتبع لها عدد من القرى والهجر، وقد أنجبت هذه البلدة الكثير من أهل العلم ومن لهم مكانة مرموقة في الدولة، منهم - على سبيل المثال - عضوا مجلس الشورى الأستاذ حمد بن دعيج الدعيج والأستاذ موسى بن محمد السليم، كما أنجبت الشاعر الكبير حمد بن سعد الحجي - رحمه الله -، ومن أعيان بلدة مرات الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز بن محمد الدايل (مندوب أوقاف مرات) كان مرجعاً لأهل البلدة في الأوقاف، وله معرفة بتاريخ البلدة وآثارها.. توفي سنة 1428هـ رحمه الله رحمة واسعة.
http://www.al-jazirah.com/89905/wo3d.htm