مانـح
02-24-2005, 03:43 PM
الطب النفسي الإسلامي ::
الجزء الأول ...
جاءت فكرة هذا الموقع في وقت شعرت فيه كما شعرَ كل يقظٍ في بلادنا بأنه جاء الوقت الذي يلزم فيه تحديد المواقف و أن يحدد كل واحد منا من هو و ما يستطيع أن يكونه و ما لا يستطيع ! فقد انقسَمَ العالمُ بالفعل إلى موالينَ للغرب دونَ أي قيد أوْ شرط أو معادينَ لهُ و ليسَ هناكَ موقفٌ وسَطيٌ كما يرى الأمريكيون !!
و أنا كطبيب نفسي شعرت بأن عليَّ عبءَ تحديد موقفي في مجال عملي الذي عملت فيه ما يزيد على عشر سنوات خمس منهم بعد الحصول على الدكتوراه ! فقدْ أحسَسْتُ أنني لنْ أستطيع الاستمرار مكتَفـيا بما تعلمْتُـهُ على أنه الطب النفسي العالمي و هو في الحقيقةِ الطب النفسي الغربي !! .
و أنا أشعر طوال سنين عملي بأن هناك ما يفصل بيني و بين الناس الذين هم مادة عملي فكثيرا ما أشعر أن الكثير مما درسته و أتقنت حفظه غير صالح للتطبيق في مجتمعنا و أن الفجوة كبيرة في الكثير من الأحيان بين ما أحاول إيصاله لمرضاي و بين ما هم مستعدون لتقبله !
ولا يمكنُني أنْ أنسى تعبيرات وجوه بعض مرضايَ و تعبيرات و جوه ذويهم إذ يَـنْظُـرُ لي بعضُهُم نظْرَةً تنمُ عن الاستغرابِ أو عدم الاستيعابِ لما أقولـهُ لهم من نصائحَ يسمونها ذهبيةً في المراجع التي درستُها و ينظرُ لي البعضُ منَ المُـثَـقَّفينَ نوعًا نَـظْرَةً تـَـنُمُّ عن لوعَـةٍ فقدْ أدرَكُوا أنني مسكينٌ يحسبُ ما تعَـلمَهُ كافٍ لمساعَـدَة الناس وهو في الحقيقةِ غيرُ ذلك وَ بعضهُـمْ يقول لي و مالنا نحنُ بذلكَ يا دكتور و بعضهم يقول لي " النبي عربي" !!! و لم يكن مريحا لي في يوم من الأيام كما هو مريح للكثيرين أن أخلص من هذا الشعور بأن أتهم المجتمع بالجهل و التخلف فأنا أعرف جيدا أوجه القصور في النظرة المادية الخالصة للإنسان و الأشياء و أعرف أيضا أن أوجه القصور في العلم الدنيوي الغربي أكبر من أن تسمح لعاقل بأن يُفْـتَـتن أو أنْ يقنعَ بأن هذا هو كل شيء ؛
كان عليَّ لذلك أن أفتش في أفكارنا و تراثنا كأمـةٍ محاولا الوصول إلى سبب الهوة التي تفصل بين ما تعلمته على أنه العلم العالميُّ الوحيد و بين مجتمعي الذي لا أستطيع مستريحا أن أتهمه بالجهل أو التخلف وبدأت رحلة لا أحتسب منها إلا رضى الله عز وجل ثم شيء من التوفيق بين نظرتين للوجود إحداهما وهي النظرة الغربية بدأت بوضع الإنسان في مركز الكون على أنه السيد الأوحد ثم تحولت تدريجيا إلى جعله جزءًا من الكون غير مستقل عنه بحيث تحكمه نفس القوانين التي تحكم الذرة و الجزيء دون أي سمو عنهما ! و بين نظرة ثنائية هي نظرة الإسلام ترى الإنسان خليفة للخالق الأعظم استخلفه في الأرض و كرمه عن سائر المخلوقات ووضع فيه عقلا و روحا تسموان به عن سائر الأشياء و تجعلانه كفءً لتحمل الأمانة .
كانت أول صدمة لي حين بدَأتُ رحلتي هي حَجْمُ جهلي العظيم بتراث أمتي و أعني هنا تراثها في الطب النفسي و في علاج المرض النفسي و معاملة المريض كأي مريض بأي مـرض آخر فقد كان المـريـض النفـسي يُـعالج في مستشفى بغداد و في مستشفى قــلاوون بالقاهرة في القرن الرابع عشر جنبا إلى جنب مع مريض الجراحة و الباطنة و الرمد و هذا هو ما احتاج الغرب ستة قرون لكي يصلوا إليه على أنه أحدث الصيحات في علاج المريض النفسي مع غيره من المرضى لما لذلك من أثر جيد في تصحيح المفاهيم التي ترى المرض النفسي مـجلـبــةً للعار و تفصل بين المريض النفسي و بين سواه من المرضى مما يتسبب في إعاقة اجتماعية بعد الشفاء أكثر مما يسببه المرض نفسه !
وجدت أيضا العديد من الرسائل التي تصـف الأمراض النفسيـة و تُـحَـدِّدُ أعراضها و أسبابها بشكل إنما يبعث على الفخر و الكبرياء و لست أدري من المسؤول عن حجب كل هذا التراث المشرف عن الدارسين في بلادنا و لا أدري من الذي قرر أن أقرأ فقط وصفات الغربيين و أفكارهم و لا أقرأ مثلا ما يقوله الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله في وصف نوبة اكتئاب حادة أصابته :"فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أنْ أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قـوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أنْ يتروح السر عن الهم الملم "
أو ما يقوله ابنُ سينا مثلا في تحليله للسلوك " إذا كان تناول الطعام مقترنا باللذة، و الضربُ بالعصا مقترنا بالألمِ فإن الحيوانَ و الإنسانَ يحتفظانِ في ذاكرتهما بصورة الطعام مقترنة باللذة ، و بصورة العصا مقترنا بالألم فتصبح رؤيةُ الطعام فيما بعد مثيرةً للشعور باللذة و رؤية العصا مثيرةً للشعور بالألم" وَ هذه هي الاستجابةُ الشرطيةُ التي قال بها الروسي إيفان بافلوف بعد عشرة قرون و التي تعلمتها أنا عن بافلوف منذ أولى سنين دراستي للطب على أنه مبدعها الأول و هي أيضا حجر أساس علم النفس السلوكي و علاجهِ كله.
وكذلك وجدت مقالة لاسحاق بن عُـمران عن المالنكوليا أو الإكتئاب حيث يصف ابن عمران بعض العوارض المرضية التي تميز هذه الحالات فهناك المريض الذي تمر به أفكار رهيبة خيالية فيشعر بأحاسيس خاطئة، كالذي رأى جماعة من السود يريدون قتله، وهناك الذي يتوهم أن لا رأس له أو يسمع مثل خرير المياه وقرع الرياح وعصفها وأصوات مهولة في أذنه، كما أن المرض يفقد المحاكمة والتمييز كالذي يخشى من سقوط السماء على رأسه فيجتنب المشي تحتها والأمثلة عديدة في هذا الصدد غير أن هؤلاء المرضى يشعرون بضرورة اللجوء إلى الطبيب بمزيد من التعطش والإلحاح لشدة يأسهم وكثرة آلامهم، أما من الناحية الجسمية فكلهم يشتكون من الهزال والأرق ثم يتعرض ابن عمران إلى الأعراض السريرية للأصناف المرضية المختلفة من المالينكوليا :
1) فيلاحظ في الشكل الذي يمس الدماغ الأرق ووجع الرأس وكثرة لمع العينين ونهم من يقل تقوته من الطعام والشراب وهى أخطر الأحداث ويتصف هذا الصنف بالهياج وحتى بالوثب الذي يذكر بالسباع وسماه ابن عمران الصنف السبعي وهو يؤدى إلى الشرسام .
2) أما في الصنف الشراسفي فان الأعراض تعم المرضى، وتزيد فيهم حسب قوله ما يجدون لمن التـزقق في بطونهم من الرياح السوداوية. فهذا الصنف يتصف بشدة الكآبة وحب العزلة والاستراحة في الأماكن القاسية.
3) وهناك أصناف أخرى تسبق أو تتبع ما يسميه ابن عمران بالمرض العظيم.
و أصبح واضحاً بالنسبةِ لي أن الفخ الذي وقع فيه السواد الأعظم من علمائنا و مفكرينا و مثقفينا هو اعتقادهم بأنَّ الهوة التي يجدونها بين علومهم و ثقافتهم و ما يعيشه الناس في بلادنا إنما ترجع إلى تخلفنا و قد أصبحت على قناعة بأن ذلك غير صحيح بالمرة ! فمجتمعنا ليس متخلفا و لا جاهلا إلا حين ننطلق من مرجعية أنَّ النموذج الغربي المادي هو النموذج الوحيد الصحيح وهذه مرجعية أبعد ما تكون عن الصواب.
و أنا أدعوك عزيزي المتصفح أن تنتبه لما يحتويه الموقع من نفحاتٍ من تراثنا العربي الذي لا نعرف عنه إلا القليل ! فلم يكن علم النفس يوماً و لا كان الطب النفسي وليد النهضة الأوربية كما يقال، ولم يكن على الإطلاق أحد إفرازات الحضارة الغربية، ولكن شاء الكثير من الباحثين في علم النفس أن يتركوا أو يتناسوا التاريخ والغور في معالم النفس البشرية ولربما مالوا كل الميل ولا نقول بانحيازهم كل الانحياز إلى ما كتب حديثاً و سهلت طباعته وتيسر نشره، ولم تكن تهمهم تلك الجذور النفسية الموجودة في خضم الفكر القرآني والحضارة الإسلامية.
الجزء الأول ...
جاءت فكرة هذا الموقع في وقت شعرت فيه كما شعرَ كل يقظٍ في بلادنا بأنه جاء الوقت الذي يلزم فيه تحديد المواقف و أن يحدد كل واحد منا من هو و ما يستطيع أن يكونه و ما لا يستطيع ! فقد انقسَمَ العالمُ بالفعل إلى موالينَ للغرب دونَ أي قيد أوْ شرط أو معادينَ لهُ و ليسَ هناكَ موقفٌ وسَطيٌ كما يرى الأمريكيون !!
و أنا كطبيب نفسي شعرت بأن عليَّ عبءَ تحديد موقفي في مجال عملي الذي عملت فيه ما يزيد على عشر سنوات خمس منهم بعد الحصول على الدكتوراه ! فقدْ أحسَسْتُ أنني لنْ أستطيع الاستمرار مكتَفـيا بما تعلمْتُـهُ على أنه الطب النفسي العالمي و هو في الحقيقةِ الطب النفسي الغربي !! .
و أنا أشعر طوال سنين عملي بأن هناك ما يفصل بيني و بين الناس الذين هم مادة عملي فكثيرا ما أشعر أن الكثير مما درسته و أتقنت حفظه غير صالح للتطبيق في مجتمعنا و أن الفجوة كبيرة في الكثير من الأحيان بين ما أحاول إيصاله لمرضاي و بين ما هم مستعدون لتقبله !
ولا يمكنُني أنْ أنسى تعبيرات وجوه بعض مرضايَ و تعبيرات و جوه ذويهم إذ يَـنْظُـرُ لي بعضُهُم نظْرَةً تنمُ عن الاستغرابِ أو عدم الاستيعابِ لما أقولـهُ لهم من نصائحَ يسمونها ذهبيةً في المراجع التي درستُها و ينظرُ لي البعضُ منَ المُـثَـقَّفينَ نوعًا نَـظْرَةً تـَـنُمُّ عن لوعَـةٍ فقدْ أدرَكُوا أنني مسكينٌ يحسبُ ما تعَـلمَهُ كافٍ لمساعَـدَة الناس وهو في الحقيقةِ غيرُ ذلك وَ بعضهُـمْ يقول لي و مالنا نحنُ بذلكَ يا دكتور و بعضهم يقول لي " النبي عربي" !!! و لم يكن مريحا لي في يوم من الأيام كما هو مريح للكثيرين أن أخلص من هذا الشعور بأن أتهم المجتمع بالجهل و التخلف فأنا أعرف جيدا أوجه القصور في النظرة المادية الخالصة للإنسان و الأشياء و أعرف أيضا أن أوجه القصور في العلم الدنيوي الغربي أكبر من أن تسمح لعاقل بأن يُفْـتَـتن أو أنْ يقنعَ بأن هذا هو كل شيء ؛
كان عليَّ لذلك أن أفتش في أفكارنا و تراثنا كأمـةٍ محاولا الوصول إلى سبب الهوة التي تفصل بين ما تعلمته على أنه العلم العالميُّ الوحيد و بين مجتمعي الذي لا أستطيع مستريحا أن أتهمه بالجهل أو التخلف وبدأت رحلة لا أحتسب منها إلا رضى الله عز وجل ثم شيء من التوفيق بين نظرتين للوجود إحداهما وهي النظرة الغربية بدأت بوضع الإنسان في مركز الكون على أنه السيد الأوحد ثم تحولت تدريجيا إلى جعله جزءًا من الكون غير مستقل عنه بحيث تحكمه نفس القوانين التي تحكم الذرة و الجزيء دون أي سمو عنهما ! و بين نظرة ثنائية هي نظرة الإسلام ترى الإنسان خليفة للخالق الأعظم استخلفه في الأرض و كرمه عن سائر المخلوقات ووضع فيه عقلا و روحا تسموان به عن سائر الأشياء و تجعلانه كفءً لتحمل الأمانة .
كانت أول صدمة لي حين بدَأتُ رحلتي هي حَجْمُ جهلي العظيم بتراث أمتي و أعني هنا تراثها في الطب النفسي و في علاج المرض النفسي و معاملة المريض كأي مريض بأي مـرض آخر فقد كان المـريـض النفـسي يُـعالج في مستشفى بغداد و في مستشفى قــلاوون بالقاهرة في القرن الرابع عشر جنبا إلى جنب مع مريض الجراحة و الباطنة و الرمد و هذا هو ما احتاج الغرب ستة قرون لكي يصلوا إليه على أنه أحدث الصيحات في علاج المريض النفسي مع غيره من المرضى لما لذلك من أثر جيد في تصحيح المفاهيم التي ترى المرض النفسي مـجلـبــةً للعار و تفصل بين المريض النفسي و بين سواه من المرضى مما يتسبب في إعاقة اجتماعية بعد الشفاء أكثر مما يسببه المرض نفسه !
وجدت أيضا العديد من الرسائل التي تصـف الأمراض النفسيـة و تُـحَـدِّدُ أعراضها و أسبابها بشكل إنما يبعث على الفخر و الكبرياء و لست أدري من المسؤول عن حجب كل هذا التراث المشرف عن الدارسين في بلادنا و لا أدري من الذي قرر أن أقرأ فقط وصفات الغربيين و أفكارهم و لا أقرأ مثلا ما يقوله الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله في وصف نوبة اكتئاب حادة أصابته :"فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أنْ أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قـوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أنْ يتروح السر عن الهم الملم "
أو ما يقوله ابنُ سينا مثلا في تحليله للسلوك " إذا كان تناول الطعام مقترنا باللذة، و الضربُ بالعصا مقترنا بالألمِ فإن الحيوانَ و الإنسانَ يحتفظانِ في ذاكرتهما بصورة الطعام مقترنة باللذة ، و بصورة العصا مقترنا بالألم فتصبح رؤيةُ الطعام فيما بعد مثيرةً للشعور باللذة و رؤية العصا مثيرةً للشعور بالألم" وَ هذه هي الاستجابةُ الشرطيةُ التي قال بها الروسي إيفان بافلوف بعد عشرة قرون و التي تعلمتها أنا عن بافلوف منذ أولى سنين دراستي للطب على أنه مبدعها الأول و هي أيضا حجر أساس علم النفس السلوكي و علاجهِ كله.
وكذلك وجدت مقالة لاسحاق بن عُـمران عن المالنكوليا أو الإكتئاب حيث يصف ابن عمران بعض العوارض المرضية التي تميز هذه الحالات فهناك المريض الذي تمر به أفكار رهيبة خيالية فيشعر بأحاسيس خاطئة، كالذي رأى جماعة من السود يريدون قتله، وهناك الذي يتوهم أن لا رأس له أو يسمع مثل خرير المياه وقرع الرياح وعصفها وأصوات مهولة في أذنه، كما أن المرض يفقد المحاكمة والتمييز كالذي يخشى من سقوط السماء على رأسه فيجتنب المشي تحتها والأمثلة عديدة في هذا الصدد غير أن هؤلاء المرضى يشعرون بضرورة اللجوء إلى الطبيب بمزيد من التعطش والإلحاح لشدة يأسهم وكثرة آلامهم، أما من الناحية الجسمية فكلهم يشتكون من الهزال والأرق ثم يتعرض ابن عمران إلى الأعراض السريرية للأصناف المرضية المختلفة من المالينكوليا :
1) فيلاحظ في الشكل الذي يمس الدماغ الأرق ووجع الرأس وكثرة لمع العينين ونهم من يقل تقوته من الطعام والشراب وهى أخطر الأحداث ويتصف هذا الصنف بالهياج وحتى بالوثب الذي يذكر بالسباع وسماه ابن عمران الصنف السبعي وهو يؤدى إلى الشرسام .
2) أما في الصنف الشراسفي فان الأعراض تعم المرضى، وتزيد فيهم حسب قوله ما يجدون لمن التـزقق في بطونهم من الرياح السوداوية. فهذا الصنف يتصف بشدة الكآبة وحب العزلة والاستراحة في الأماكن القاسية.
3) وهناك أصناف أخرى تسبق أو تتبع ما يسميه ابن عمران بالمرض العظيم.
و أصبح واضحاً بالنسبةِ لي أن الفخ الذي وقع فيه السواد الأعظم من علمائنا و مفكرينا و مثقفينا هو اعتقادهم بأنَّ الهوة التي يجدونها بين علومهم و ثقافتهم و ما يعيشه الناس في بلادنا إنما ترجع إلى تخلفنا و قد أصبحت على قناعة بأن ذلك غير صحيح بالمرة ! فمجتمعنا ليس متخلفا و لا جاهلا إلا حين ننطلق من مرجعية أنَّ النموذج الغربي المادي هو النموذج الوحيد الصحيح وهذه مرجعية أبعد ما تكون عن الصواب.
و أنا أدعوك عزيزي المتصفح أن تنتبه لما يحتويه الموقع من نفحاتٍ من تراثنا العربي الذي لا نعرف عنه إلا القليل ! فلم يكن علم النفس يوماً و لا كان الطب النفسي وليد النهضة الأوربية كما يقال، ولم يكن على الإطلاق أحد إفرازات الحضارة الغربية، ولكن شاء الكثير من الباحثين في علم النفس أن يتركوا أو يتناسوا التاريخ والغور في معالم النفس البشرية ولربما مالوا كل الميل ولا نقول بانحيازهم كل الانحياز إلى ما كتب حديثاً و سهلت طباعته وتيسر نشره، ولم تكن تهمهم تلك الجذور النفسية الموجودة في خضم الفكر القرآني والحضارة الإسلامية.